علي الأحمدي الميانجي
207
التبرك
لا يعرفها أصحاب محمّد صلى الله عليه وآله فكيف بغيرهم ؟ ! فكأنّه ينكر على الذين يصلّون هنا بأنّ المكان غير معلوم ، لا أنّ التبرّك غير جائز ، ولكن ظاهر عمل المصلّين وفيهم الصحابي وغيره أنّ المكان معلوم ، ولذلك لم ينكر عليهم عمر لأجل ذلك ، بل أنكره لأجل ما توهّمه من الرجوع إلى العزّى ، وإن كان يظهر أنّ عمر لم يعرف المكان ، ولذا سأل عنه . ولعلّ التعمية كانت بعد قطع الشجرة ومحو أثرها كما هو الظاهر . وعلى أي حال فقد رأى الخليفة مبادرة الناس إلى المسجد ، فسأل عن المسجد فقيل له : « هذا مسجد صلّى فيه النبي صلى الله عليه وآله » فقال : « أيّها الناس رجعتم إلى العزّى » أو قال : « هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم اتّخذوا آثار أنبيائهم بِيعاً » فأفتى بكون الصلاة في هذا المسجد شركاً ، ودليله على ذلك هو أنّ أهل الكتاب هلكوا كذلك . ولقد تفرّد الخليفة بهذه الفتوى من بين جميع الصحابة كما تقدّم ، ويأتي بما لا يبقى معه ريب في جواز التبرّك برسول اللَّه صلى الله عليه وآله وآثاره عند جميع الصحابة ، إلّا ما أسلفناه عن مروان طريد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، بل إنّ اجتهاد الخليفة الثاني يخالف نصّ الرسول صلى الله عليه وآله على جواز التبرّك قولًا وعملًا وتقريراً وإشارةً وتصريحاً ، كما اتّضح ممّا قدّمنا أيضاً ، واجتهد في مقابل النصوص فرأى التبرّك بالإقبال إلى اللَّه سبحانه والصلاة تحت تلك الشجرة رجوعاً إلى العزّى ، وموجباً للتعذيب والقتل كما يقتل المرتدّ ، وأمر بقلع تلك الشجرة مع كون أعمال الصحابة وأقوال النبي صلى الله عليه وآله بمرأى منه ومسمع . يرى المسلمين يتبرّكون بماء وضوئه وبماء مجَّ فيه أو بصق أو تفل فيه وبنخامته ودمه . ويرى تبرّكهم بشعره صلى الله عليه وآله في حجّة الوداع والحديبية وأمره صلى الله عليه وآله بذلك . ويرى تبرّكهم به صلى الله عليه وآله في تحنيك أطفالهم ومسحه رؤوسهم .